اليوم أكمل يومي الثاني عشر في هذه البلدة الساحلية الواقعة في الجنوب الغربي للمملكة المتحدة، البلدة هادئة في هذه الأوقات من السنة لكنها تكون صاخبة في فصل الصيف بسبب توافد السياح من مختلف الأماكن خصوصاً من المدن البريطانية الأخرى. كان الهدف الرئيسي من هذه الرحلة هو الخروج من الضغوط المتواصلة والبحث عن الذات التي لربما تاهت في تضارب الأيام وتقلباتها، والنظر للنفس من خلال زاوية مختلفة بعيدة عن كل الاحتمالات التي قد تسوقها إلى مكان قد يزيلها من الوجود. محاولة إيجاد المخرج الذي يجب أن أسلكه خلال الأيام المعدودة المتبقية من حياتنا القصيرة، وتعويضها عن السنين الغابرة بكل ما تحمله من نجاحات وانتكاسات، ضبط النفس وتقويم العقل وتحكيمه والسيطرة على المضغة الصغيرة التي تتسارع دون تحكم نحو كل ما تتعلق بها. والسؤال الذي أبحث عن إجابته، ماذا؟ ماذا أريد حقاً قبل أن الفظ الأنفاس الأخيرة المتبقية من عمرنا الزائل؟ كيف يمكنني أن أكون واثقاً من النبضات التي لا تحرك شرايني فقط ولكنها تحرك مشاعري وتفكيري؟
روتين، أستيقظ بعد الساعة السادسة والربع لصلاة الفجر، الفطور في الساعة السابعة والنصف، ثُم أتوجه مشياً إلى المدرسة التي قمت بالتسجيل بها لمحاولة كسب شيءً جديد، الساعة الثانية عشر والربع أخرج للتنزه وتأمل المارة في إحدى المتنزهات العامة في البلدة، أرجع إلى المسكن وفي الساعة السادسة والنصف نجلس على طاولة العشاء، نقضي قرابة الساعة والنصف في أحاديث ومناقشات مواضيع مختلفة ثم أهم إلى الغرفة، أحاول قراءة أو كتابة شيء ما، في العاشرة تقريباً أذهب للنوم.
الأيام تمر سريعاً، والغربة قد تكون مفيدة أحياناً ولكنها حتماً تحتاج إلى من يتحملها، والتضاربات تحتاج إلى عزيمة لتجاوزها وتحويلها إلى مسار صحي يعزز استقرار العقل والقلب. لا أعلم حقاً من سيدرك ماذا، وكيف يمكن تحقيق شيء ربما تتعاكس معه الأحداث، خاصة وأن العمر مثل المسبحة التي ينفرط عقدها وتتناثر في كل مكان بحيث من الصعب علينا جمعها من جديد. الصراع الذي أحاول تجاوزه لا أعلم حقيقة إلى ماذا سوف يفضي، إلى نسيم عليل أم عاصفة هوجاء تكسر ما تبقى. حقاً أحاول، أصارع المفارقات والتضاد بين ما يجب وما يحدث، اتعلق بخيط رفيع واستند بقشة أتامل أن تصمد. ربما يظن البعض بأن هناك فراغ أيماني يجرني إلى هاوية عميقة وذلك بعدم وجود الثقة التي يجب أن تكون لدى المؤمن، أدرك ذلك حقاً. ولكن أيماننا لا يتعلق بالتأمل بل بالعمل والتوكل، العمل والوقوف في وجه كل ما يفضي إلى مخالفة ذلك، القتال والمواجة الشرسة أحياناً، الهجوم إذا ما استدعى الأمر.
قبل تسعة أيام أكملت عامي السادس والثلاثين، والآن أنا أمضي سريعاً جداً إلى اتمام العقد الرابع. أتوقف كثيراً للتأمل، الألعاب التي كان يحضرها أبي وأنا في عامي الرابع والخامس، اصطحاب أخي أحمد لأول يوم دراسي وأنا في عامي السابع، يومي الأول في مقاعد الكلية وأنا في عامي الثامن عشر، أول يوم عمل وأنا في عامي الرابع والعشرين، الالتحاق مجدداً بمقاعد الدراسة وأنا في عامي التاسع والعشرين، اكمالي للدراسات العليا وأنا في عامي الثاني والثلاثين. كل تلك المقتطفات من الذاكرة ما هي إلا كلمح البصر، وأتساءل حينها سؤالي الدائم، ماذا؟
اثنان وأربعين يوماً تفصلني عن موعد رحلة العودة، ما اتامله حقاً أنني أجد ذاتي قبل فقدها في صراعات الحياة. أن أحقق الهدف الأسمى من وجودنا نحن البشر، أن يجتمع شمل مشاعرنا وأن تستقر قلوبنا، أن أجد السكينة فيني، وأن لا تفضي نفسي قبل أن تتوسد حقيقتها.