سفر – نوفمبر ٢٢

الأيام تمضي سريعاً، والأسئلة تتوافد إلى عقولنا دون توقف، والإجابات تحتاج إلى اجتهاد ومحاولات وربما صراع ذاتي أو مع الغير. اثنان وأربعون يوماً في هذه البلدة الساحلية الواقعة في الجنوب الغربي من إنجلترا مضت دون إدراك، الإحساس البطئ للوقت تلاشى دون أن يترك أثر يمكن الرجوع إليه، البحث عن الذات ما زال مستمراً رغم إتاحة الفرصة للابتعاد عن كل شيء إلا أن الفقد ما زال. سؤالي الدائم مازال دون إجابة والحيرة مسيطرة على العقل، والقلب في صراعه الدائم.

تضاربت الأفكار والمسائل التي ودت الكتابة عنها، أحياناً عن البحث التاريخي في سيرة جدي التي كادت تندثر بسبب التشويه الذي يفعله البعض، وبين حكاية رجل يصف المجتمع بجذع نخلة يمكنه تسييره متى يشاء وكيفما يشاء ثم تجد ذات المجتمع يصطف خلفه ويصفق له، وبين رجل يصعد المنبر ويخطب في الناس ويعظهم وقد خان الأمانة وأفك لسانه رغم إعفائه للحية و لبسه للعمامة، وبين فتى يظن أنه رجل يستبيح حقوق الناس ويأكل السحت دون خوف أو تردد ويراوغ في الحديث. أفكار كثيرة تتصارع وتأخذني بعيداً جداً، ثم أعجز أن أجد الكلمات التي يمكنها أن تسعفني في سرد هذه الأفكار.

بالأمس جلست قرابة الساعة والنصف أطالع العابرين في الممشى والأطفال وهم يلعبون على رمال الشاطئ والبعض الأخر وهم يلعبون أو يمشون مع كلابهم، عالم مختلف جداً وأفكار ربما تتصادم مع واقعنا الذي نعيشه في مجتمعاتنا التي من المفترض أنها أسمى مما هي عليه أصلاً. هناك تباين كبير بين مجتمعاتنا وبين المجتمع الإنجليزي، ونحن كثيراً ما نميز أنفسنا بأننا الأفضل وذلك لما حباة الله علينا من نعمة الإسلام، ولكن مجدداً تتسابق الأفكار وتأتي الأسئلة، كيف؟ هل حقاً نحن ما ندعي؟ هل القيم التي نتغنى بها حقاً تتواجد؟ هل حقاً نحن أفضل منهم أم هم الأفضل؟. الحقيقة أننا نحتاج إلى ميزان يحق الحق و يفصله ويجزئه ثم يوزنه لتبيان حقيقته، المعيار هي القيم التي يجب أن تكون، ولكن هنا نحتاج إلى كشف غطاءنا، الغطاء الذي نؤمن نحن المسلمين أنه ينكشف عناء ذات يوم فتصبح أبصارنا كالحديد ترى كل ما كان مستحيلاً وتتباين عندها الحقائق التي ربما كانت محجوبة عنا. 

رجوع، هذا ما يجب أن يكون، وهنا لا أعني رجوعي إلى أرض الوطن، فالأيام سريعة والأثني عشر يوماً المتبقية ستمر كلمح البصر دون أن ندرك. رجوع إلى فطرتنا التي يجب أن نكون عليها، إلى عالم خال من التناقضات التي قد تفجر بركانه ذات يوم كما حدث عبر الأزمنة الغابرة. رجوع إلى ما ندعي أننا نمثله من قيم ومبادئ رفيعة.

أضف تعليق