تغريبة القافر 

اسم الكتاب:تغريبة القافر 
اسم الكاتب: زهران القاسمي
نوع الكتاب: رواية
الموضوع : موروث-اجتماعي- خرافة-أساطير 
صادر عن دار : رشم للنشر والتوزيع 
مسكيلياني للنشر والتوزيع 
واقع في: ٢٢٨صفحة


مدخل : “بدأ يهمس بخفوت كأنه يود من العالم حوله أن يصمت تماما حتى يستطيع أن يستمع إلى صوت يأتيه من الأعماق الصخرية هناك حيث انغرس جذع الغافة وتشعبت جذورها في أرض الوادي.نعم لقد رآه عبدالله يغمض عينيه ويتمتم بهدوء تام: ماي…ماي.”

نبذة عن الرواية:

رواية تبدأ بحادثة اكتشاف امرأة غريقة في بئر تدعى (مريم بنت حمد)، ليتم انتشال جثتها فيتضح أنها حامل ولازال الجنين حيا في بطنها، ويتم انقاذه من أحشائها.
توافق مجيء هذا الطفل(سالم بن عبدالله) مع انسكاب السماء حد الغرق وسنوات خصب لم تعهدها بلدة المسفاة.تتابع الأيام والسنين والأحداث بإيقاع لا يخلو من التشويق تقودنا خلالها السردية إلى اكتشاف مهارة وموهبة يحملها بطل الرواية سالم وهي قدرته على سماع صوت الماء من باطن الأرض وتحديد مكان وجود المياه الجوفية بدقة لتطلق عليه مربيته(كاذية بنت غانم) لقب “القافر” الذي التصق به ولازمه.
تناسلت الحكايات والشخوص الرئيسية والثانوية وحتى تلك العابرة بين السطور بكرم لتحيك ثوب رواية بطلنا القافر بصورة متماسكة وممتعة.
بعد أن لمع نجم القافر في تتبع الماء في قريته وانقاذها من قحط ويبس، ذاع صيته بين القرى والبلدان المجاورة فصار مطلبهم في زمن شحت فيه السماء وشاع القحط والجدب أرجاء القرى، فصارت القرى القريبة والبعيدة تستدعيه لتتبع أماكن تواجد الماء وإعادة إحياء الأفلاج الميتة والمنطمرة، لتعود الأفلاج والسواقي فيها للحياة مجددا بفضل تلك القدرة العجيبة لأذن القافر القادرة على التقاط أدق الأصوات وأبعدها وخصوصا صديقه الأزلي (الماء).
تلك المهارة والقدرة كانت بمثابة نعمة ونقمة في حياة القافر، فتأرجحت حاله بين الفرح والترح، بين اللقاء والغربة، بين الحضور والغياب. بعد أن خسر الكثير، بعد أن فقد أحبائه، يقرر العودة لقفر الماء، والمحاولة في قرية ميتة عطشى للماء، وفي رحلة  الفرصة الأخيرة لتغيير مسار حياته المادية لينال نصف هذه القرية، يجد نفسه فجأة حبيس باطن الأرض والماء كان هو سجّانه. 
بين الجوع والظلمة بين الألم والشوق الجارف لزوجته عاش القافر حالات المحاولات المستميتة للنجاة والبقاء. فهل سينجح بالتحرر؟ هل سينجو؟

مخرج : “سينتظر المعجزة، سينتظر أن يدخل الجمل من ثقب الإبرة كما سيحدث في آخر الزمان، سينتظرها حتى تنقذه من وحدته وعزلته، ومن أصوات العالم التي اكتظت في رأسه، ومن هدير الماء من حوله.”

قراءة ورأي خاص : رواية سردها الكاتب على لسان الراوي العليم، امتدت جذورها وأحداثها في زمن بعيد لا يُعرف له تقدير سوى أنه زمن بعيد كل البعد عن التقدم والتكنولوجيا الحديثة. سارت الأحداث بتسلسل مشوق تتناقله أفواه شخوص الرواية بكافة مرتباتها الحضورية،ورغم زخم الرواية بالشخصيات إلا أن أسلوب السرد المتقن لم يجعل خيوط الرواية تتشابك في ذهن القارئ، ثمة براعة كبيرة في تناسل الحكايات بداخل الرواية الكبيرة المكللة بالأساطير العجيبة الممتعة التي تعين النص السردي للسير باتساق وتماسك.كان حضور اللهجة العمانية بمفرداتها الثرية في حوار بعض الشخصيات جميلا، إذ أنه أعطى النص سمة الموروث المستمد من بيئة الكاتب والذي يثبت دوما أن الكاتب ابن بيئته، ولم يفسد حضور تلك المفردات مطلقا من جمالية وقوة النص الروائي، بل زاده ألفة من روح المتلقي  وألقت على المخيلات القارئة له ثوب المكان والزمان وأهله ،لتحضر الأحداث حية بكافة فصولها كأن المتلقي يتابع فيلما سينمائيا مشوقا. للأمثال العمانية حضور جميل بين حوارات الشخصيات التي تزيد من الرصيد المعرفي للمتلقي ومعرفة الطريقة المثلى لتوظيفها في الحياة العادية.

كان الماء في الرواية شخصية غامضة متلونة النوايا، فهو تارة الصديق المرتقب، وتارة الغائب المتتبع، وأحيانا العدو الجامح القاسي الذي لايرحم حتى أحب الناس إليه.

بالنسبة لشخصيات الرواية كان ظهورها متباينا فثمة شخوص في البداية هي محور الرواية ما تلبث أن تغادر مسرح المكان لتتوارى في الظل كشخصية ثانوية أو نكرة لا مكان ولا دور لها في إتمام الأحداث مثل دور أم البطل التي احتلت الفصول الأولى ببراعة لتتوارى بعدها بعيدا وشخصية كاذيةالعمة المربية للقافر والأب اللذان تناوبا في الظهور كشخصيات ثانوية معينة لظهور البطل مع شخصية الوعري وآسيا مرضعة القافر، ونصرا زوجة القافر التي تظهر في منتصف الرواية لتحتل في النهاية وتقتسم معه نجومية الظهور. وكل هذا إن دل إنما تدل على براعة الكاتب في الإمساك بخيوط الأحداث والشخوص وحكايات كل واحد منهم دون أن يطغى كل ذلك على الحدث الرئيسي وهو تغريبة وغربة البطل القافر ولن يخفى على القارئ ذكاء الكاتب في التحكم في سرعة سير الرواية من خلال الوصف سواء وصف الشخوص أم الأمكنة التي غلب عليها الطابع القروي المتكئ على الزراعة والأفلاج.


اقتباسات من الرواية :

  • تغفو على ذاك الشجن العطش تاركة كل منجور من تلك المناجير يطرز الليل بصوته الشجي.
  • كان هناك شيء ينمو في قلبها ويتفتح مثل زهرة بيضاء ذات رائحة زكية.
  • كان يسمع السماء كل ليلة وهي تبكي بدلا منه.
  • بدأ المطر ينهمر بشدة وكأن السماء قد دلقت نفسها على القرية.
  • كل حكاية تظل صغيرة ما دامت في قلب المرء ولكن حالما يكتشفها أهل القرية تنتشر وتكبر شيئا فشيئا.
  • يلوكون كل خبر يسمعونه مرات عديدة في اليوم ولايملون من ذلك حتى ينبت خبر جديد في المكان.
  • سكنت في داخله مثل سكون الينابيع في قلب الحجر.
  • كانت برهة تشبه الحلم أو تشبه لحظة الاستيقاظ من حلم يحاول الإمساك به قبل أن تأخذه اليقظة إلى الحقيقة.
  • جلس هناك مزروعا غائصا بجذوره مثل الغافة إلى أعماق الأرض باحثا عن صوتها عن ذلك النداء الذي كان يأتيه من عروق الأرض عن الام التي رحلت.
  • كانت الشمس تميل ناحية الجبال البعيدة هناك حيث تغرب مخلفة كائنات وبشر يلتحفون العتمة حتى موعد شروقها الجديد.
  • الدرب الطويل يحتاج إلى الحكايات حتى يقصر.


مراجعة: أمل عبدالله الصخبورية
الأربعاء ١٦ مارس ٢٠٢٢م


تابع أمل عبدالله


أضف تعليق