في عصر تتسارع فيه تحولات التجارة الرقمية، غدت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لممارسة أنشطة تجارية غير خاضعة – في كثير من الأحيان – لأي إطار قانوني أو رقابي. وقد بات واضحًا أن هذه المنصات لا تُستخدم فقط للتواصل والترويج، بل تحوّلت إلى سوق رديف يتجاوز أنظمة الترخيص والضبط، في ظاهرة تتسم بالعشوائية وغياب الحوكمة.
إن انتشار هذه الظاهرة يحمل في طياته بعدًا إيجابيًا يتمثل في تمكين فئة من الشباب من إيجاد مصادر دخل جديدة من خلال التجارة الحرة، إلا أن الوجه الآخر لها يثير القلق؛ حيث تتكرر الشكاوى من حالات احتيال، أو بيع منتجات مغشوشة، أو ممارسات لا تراعي أبسط حقوق المستهلك. وما يزيد الأمر تعقيدًا أن هذه الأنشطة تجري في فضاء رقمي يصعب فيه تتبع المخالفين أو ضبطهم، لعدم وجود سجل تجاري ظاهر أو بيانات موثقة.
لقد أبدت الجهات المختصة – وفي مقدمتها هيئة حماية المستهلك – اهتمامًا بمعالجة هذه القضايا، وخصصت أقسامًا لتلقي الشكاوى ومتابعتها. غير أن الاستجابة العملية تبقى محدودة بفعل غياب الآليات التنظيمية الصارمة، وعدم توفر بيانات رسمية عن هوية التجار الرقميين أو نشاطاتهم.
ومن هذا المنطلق، فإننا نهيب بالجهات المعنية، ممثلة في وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وهيئة حماية المستهلك، ومجلس عُمان (بشقية الدولة والشورى)، أن تبادر إلى سنّ تشريعات واضحة تنظم التجارة الإلكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يحقق التوازن بين تشجيع المبادرات الفردية وحماية حقوق المستهلكين.
مقترحات عملية لضبط النشاط التجاري الرقمي:
- إلزام كل من يمارس نشاطًا تجاريًا عبر وسائل التواصل بالحصول على تصريح رسمي.
- إظهار رقم التصريح التجاري في جميع الحسابات والمنشورات التسويقية.
- إطلاق بوابة إلكترونية تتيح للمستهلك التحقق من رقم التصريح وبيانات النشاط.
- تنفيذ حملات إعلامية توعوية تسلط الضوء على حقوق المستهلك، وآليات التحقق، وطرق الإبلاغ عن المخالفات.
ولا شك أن تنظيم هذا القطاع سيعود بالنفع على الجميع؛ إذ يحمي المستهلك من الغش، ويمنح التاجر الملتزم بيئة عادلة، ويعزز من مصداقية السوق الرقمي في السلطنة. فليس الهدف من التنظيم فرض قيود بيروقراطية، بل إنشاء إطار قانوني يكفل الحقوق، ويضبط المعاملات، ويمنح الثقة لهذا المسار التجاري الجديد.
إن التحول الرقمي لا يكتمل إلا بقوانين تواكبه، وتشريعات تحكمه، ونظم تحمي أطرافه. والتجارة الإلكترونية ليست استثناءً، بل هي اليوم في مقدمة القطاعات التي تتطلب حوكمة رشيدة وتشريعات واقعية، تأخذ في الحسبان خصوصيتها وتحدياتها، وتؤسس لمرحلة أكثر أمانًا واستدامة.