المنظور العام للتحول الرقمي في القطاع الصحي

عبدالله بن سالم الحنشي

لقد سمع غالبنا عن التحول الرقمي وربما شارك البعض ضمن فرق متخصصة في وضع خطط التحول الرقمي وتنفيذها. وقد انتهجت المؤسسات الحكومية هذا النهج ضمن خططها الاستراتيجية والتنفيذية. لكن كثيرًا ما يحدث خلط بين المصطلحات المرتبطة بهذا المجال مثل: الرقمنة، والأتمتة، والتحول الرقمي.  لذا من المهم التفنيد والتوضيح.

وبلغة بسيطة يمكننا القول أن الرقمنة (Digitization) تعني تحويل أي إجراء ورقي إلى نسخة رقمية باستخدام برامج الحاسب الآلي. أما الأتمتة (Automation) فهي استخدام التقنيات لتسريع وتنفيذ العمليات بشكل آلي. بينما التحول الرقمي (Digital Transformation) أعمق من ذلك بكثير؛ فهو لا يقتصر على الجانب التقني، بل يشمل تغيير جذري في الثقافة العامة للمؤسسات ونماذج العمل المتبعة، وتقليل الإجراءات اليدوية، وتعزيز الكفاءة الاقتصادية من خلال زيادة الدخل أو تقليل الإنفاق.

كما يوضح ديفيد روجرز، أستاذ إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا، أن “الرقمنة تكتيكية؛ أما التحول الرقمي فهو استراتيجي”. ويضيف سيمون بريستون، خبير التحول الرقمي، أن “أكبر جزء من تحولنا الرقمي هو تغيير طريقة تفكيرنا”. ويؤكد بول والش، نائب الرئيس الأول في شركة سوني للترفيه التفاعلي، أن “التحول الرقمي يتطلب إعادة التفكير في كيفية استخدام التكنولوجيا، وتمكين الأشخاص، وتغيير العمليات في سعي لتحقيق نماذج أعمال جديدة ومصادر إيرادات”. أما جيف بيزوس، مؤسس أمازون، فيحذر: “لا بديل عن التحول الرقمي. الشركات الرؤيوية ستخلق لنفسها خيارات استراتيجية جديدة أما تلك التي لا تتكيف فستفشل”.

لذا يمكننا القول إن التحول الرقمي أكثر شمولًا واستدامة. فهو يقوم على استراتيجيات تنفيذية أساسها الثقافة العامة للمؤسسات ومنهجية العمل، مدعومًا بتشريعات تتناسب مع أطر العمل. ليكون نتاجه تعزيز الاقتصاد عبر زيادة الكفاءة وتقليل الإنفاق، من خلال تبني الحلول الرقمية المبتكرة والتقنيات الذكية.

وفي عُمان، بدأت المؤسسات الرسمية في وضع خططها للتحول الرقمي منذ سنوات خلت، وذلك ضمن جهودها لتحديث الخدمات الحكومية وتحسين كفاءة الأداء. هذه الخطط تشمل رقمنة الإجراءات، تطوير البنية التحتية الرقمية، وتدريب الكوادر على التعامل مع الأنظمة الجديدة، بما يعكس التزام الحكومة برؤية استراتيجية طويلة الأمد نحو التحول الرقمي.

وفيما يخص القطاع الصحي – وهو من القطاعات التي لا يختلف على أهميتها الاستراتيجية في تعزيز حياة مستقرة وصحة دائمة مستدامة للجميع – فإن تقنية المعلومات قد قطعت شوطاً كبيراً في الرقمنة والأتمتة، حيث لدى وزارة الصحة العُمانية ممثلة بالمديرية العامة لتقنية المعلومات والصحة الرقمية العديد من البرامج والأنظمة المتواكبة مع متطلبات النظام الصحي. البداية كانت في مطلع تسعينيات القرن الماضي حيث وضعت اللبنة الأولى للنظام الصحي، مروراً بالإصدار الأخير منه والمسمى الشفاء ٣+، بالإضافة إلى عدد من الأنظمة المساعدة والرديفة مثل نظام أجيال ونبادر والتحويلات الإلكترونية والسجلات الوطنية وأمان وترصّد وغيرها الكثير، وصولاً إلى المشروع الوطني الأشمل لهذه المنظومة الا وهو مشروع الملف الوطني الصحي الموحد “نهر الشفاء”. هذا في جانب الرقمنة والأتمتة، ثلاثة عقود من الأعمال والأفكار المتوالية والعديد من الإشادات والجوائز المحلية والإقليمية والدولية، إنجاز سبق أنظمة العديد من الدول المتقدمة في مجال الطب عالمياً.

أما التحول الرقمي في القطاع الصحي، فهو مرحلة تتجاوز ما تم ذكره آنفاً. إذ يهدف إلى منظومة صحية أكثر شمولية لا تقتصر على الحوسبة التقليدية وأتمتة الأعمال والإجراءات، بل تقوم على بناء نموذج صحي أكثر ذكاء وبناء ثقافة مؤسسية تعنى بالعمل الذكي، وايجاد الحلول والتشريعات والنظم التي من خلالها تبنى الأنظمة ذات الشأن، واستخدام البيانات وتحليلها من أجل تنبؤات مستقبلية وقرارات أسرع وأكثر دقة.

ويضع هذا التحول المريض في محور المنظومة في بناء الخدمات الرقمية المتكاملة، وتوفير الاستشارات الافتراضية والسجلات الموحدة، وتمكين ورفع وعي المريض بأهمية الوصول إلى بياناته الصحية من أجل اتخاذ القرارات السليمة بوعي أكبر، وتوفير الاستدامة ورفع الجودة.

لذا نجد أن التحول الرقمي في القطاع الصحي ليس مجرد خيارًا تكميليًا أو ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الخدمات الصحية ورفع الكفاءة والجودة. ومع ما تحقق من إنجازات خلال العقود الثلاث المنصرمة، إلا أن المرحلة الحالية والمقبلة تتطلب تعزيز الثقافة المؤسسية بشكل أكبر، وإرفادها بالابتكار وأصحاب العقول والمساهمات وذوي الخبرات المختلفة، وتعزيز دور الطلبة في ذلك. كذلك الاستفادة أكثر من البيانات المتراكمة وإيجاد الآلية الأفضل في تحليلها واستخدامها بواسطة الذكاء الاصطناعي، حيث يتواكب بمضمونه مع رؤية عُمان ٢٠٤٠ حيث إن التحول الرقمي في صميم أولوياتها من أجل اقتصاد متنوع قائم على المعرفة ومجتمع أكثر صحة ورفاهًا، ومؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.

مراجع:

  • Rogers, D.L. (2016) The Digital Transformation Playbook. New York: Columbia University Press.
  • Preston, S. (2024) Digital Transformation: Changing the Way We Think. Continual Improvement for Everyone.
  • Walsh, P.J. (2024) Customer-Centric Digital Evolution in a Disruptive Age. Sony Interactive Entertainment.
  • Bezos, J. (2016) The Bezos Letters: 14 Principles to Grow Your Business Like Amazon. Benbella Books.
  • Ministry of Transport, Communications and Information Technology – Oman (2021) National Digital Transformation Strategy. Available at: https://mtcit.gov.om
  • Vision 2040 Oman (2020) Oman Vision 2040 Official Document. Available at: https://www.omanvision2040.om

أضف تعليق