ظفار: ثورة الرياح الموسمية
قراءة تحليلية من وجهة نظر شخصية
عبدالله بن سالم الحنشي
لقد قرأت هذا الكتاب وهو رسالة دكتوراه للباحث الفلسطيني عبد الرزاق التكريتي صدر في 2013 باللغة الإنجليزية عن منشورات جامعة أوكسفورد وقام بترجمته أحمد المعيني في 2019 عن دار جداول، الكتاب من حيث العنوان يتحدث عن الثورة التي حدثت في القُطر العُماني وبالتحديد في الجزء الجنوبي من عُمان إبان حكم السلطان سعيد بن تيمور حيث بدأت رسمياً في عام 1965 م ولغاية 1976م، وما لفت نظري قبل أن أبدأ قراءة الكتاب هو الاسم الذي اِختاره الكاتب والاسم الذي اِختاره المترجم حيث في النسخة الإنجليزية تم تسمية الكتاب بـثورة الرياح الموسيمة (Monsoon Revolution) وفي الترجمة تم إضافة اسم ظفار، وربما قام المترجم بذلك لإضافة طابع أن الكتاب يتحدث عن جغرافية الثورة رغم أن جغرافية الثورة امتدت إلى شمال عُمان.
حدد الكاتب ثلاث أهداف رئيسية سعى إلى تحقيقها من خلال تقديم هذه الدراسة العميقة التي استندت إلى عدد كبير من المراجع والمصادر العربية والأجنبية مثل الوثائق والمقابلات والمنشورات الثورية والصحف والمجلات والأُطروحات وغيرها. أما الهدف الأول فهو الإسترجاع التاريخي والمراجعة ووضع الأحداث التاريخية في سياقها، والهدف الثاني قراءة التاريخ العُماني قراءة مغايرة على ضوء الثورة، والهدف الثالث إدراج تاريخ الثورة إلى السردية الأكبر التي يعُد هذا التاريخ جزءاً منها.
لا أخبىء امتعاضي عند قراءتي للكتاب في كل صفحاته التي تعدت 400 صفحة، فرغم السردية البحثية التي التزم بها الكاتب والموثّقة بالمراجع، إلا أن الكاتب غالباً ما كان ينحاز في طرحه ضد جانب دون آخر، مقللاً من مكانة أحد الأطراف ومتحيزاً إلى فكرة معينة. وهُنا لا أعني الأحداث التاريخية المذكورة في الكتاب من ناحية حقيقتها التاريخية وواقعيتها وتأثيرها على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي سواء في تلك الفترة من الزمن أو السنوات التي عقبت انتهاء الثورة. ولكن أعني شيئاً آخر.
مثلاً، يذكر الكاتب أن ”سعيد بن سلطان وضع نفسه موضع التبعية التي لا فكاك منها حين قبل خدمات البريطانيين….“ ، وفي هذا السياق يوضح بأن السلطان سعيد بن سلطان ذلك الرجل الذي قام بتوسعة الأراضي العُمانية حيث شملت عُمان الجغرافية وأجزاء من الساحل الفارسي وأراضي وجزر في شرق أفريقيا، بأنه يخضع للتبعية البريطانية. وأيضاً يعيد الكاتب نفس السرد في موقف آخر فيقول ”اسم سلطان مسقط أو سلطان مسقط وعمان فقد استحدثه البريطانيون“ ويقول ”إن المناطق الخاضعة لسيطرة السلطان جزءاً من المنظومة البريطانية العالمية“، وهُنا من جديد يضعنا الكاتب في نفس السؤال، كيف لرجل مثل السلطان سعيد بامتداد فترة حكمه التاريخية والجغرافية أن يكون تبعاً للسيطرة البريطانية. وهذا بالإضافة إلى عدة أشياء أخرى مثل أن السلطان يحصل على مخصصات مالية من الحكومة البريطانية حاله كحال أي موظف للتاج البريطاني، وأن السلطان لا يملك من السلطة في القُطر العُماني إلا بالنطاق والحيّز الذي يتاح له من قبل بريطانيا وقد تزيد أو تنقص بحسب الظروف والقرارات السياسية التي يتم اتخاذها في أروقة الحكومة البريطانية. ويواصل الكاتب واضعاً عُمان بموضع التبعية فيقول ”كانت السلطنة آنذاك بمنزلة قاعدة أمامية للحكم البريطاني في الهند (الرّاج)،تهيَّأ لها أن تستمر على نحو لافت إلى ما بعد استقلال الهند“. ولكن ما يلبث الكاتب أن يذكر بعض المواقف التي ينتقد بها ما سلف ذكره من تبعية عُمان للتاج البريطاني فيذكر رد السلطان سعيد بن تيمور لبريطانيا ”كما أوضح أن أية محاولة بريطانية للتدخل في شؤونه الداخلية لن تكون محل ترحيب“، وهذا رد واضح لا يشوبه أي شائبة عن تمسك السلاطين بزمام الأمور وعدم السماح بالتدخلات الخارجية في السياسات العُمانية، ولكن الكاتب يصر من جديد على التحكم التام لبريطانيا في مفاصل الدولة الداخلية حيث يقول الكاتب على إثر طرحه لعدة حجج للمناقشات البريطانية لإحدى المواضيع المتعلقة بعمان وإيضاح بأن الدولة مستقلة وذات سيادة أنه هذا فقط ”للإيحاء بأنه ليس في وسع بريطانيا أن تتدخل في شؤون السلطنة الداخلية مع أن بريطانيا كانت تدير عملياً معظم شؤون السلطنة آنذاك“
يشير الكاتب في مواضع عديدة أن ظفار كيان مستقل عن القُطر العُماني وأن التحكم العُماني لظفار ما هو إلا نوع من أنواع الاستعمار، يقول الكاتب أن السلطان تركي بن سعيد قدم مطالبة بحكم ظفار وذلك بتقديم عدد من الحجج الواهية حيث يقول الكاتب ”ومن بين الحجج التي استند عليها في مطالبته هذه أن أحد أشراف ظفار قد زاره بُعيد استلامه سدة الحكم، وأن أسلافه استقبلوا كذلك وفداً ظفارياً عام 1856م، ووفداً آخر عام 1866م“مقللاً بذلك شخصية السلاطين والسلطان تركي بالتحديد فكيف لرجل دولة واجه العديد من التحديات في محاولاته الإبقاء على ثبات الدولة من التدهور أن يقدم مثل هذه الحجج، ولقد تناسى الكاتب الردود الرسمية والتاريخية التي يستند عليها التاريخ العُماني ككل ومن بينها رد السلطان تركي للوالي العثماني في مكه – شريف مكة – وغيرها من الشواهد التاريخية.
ودائماً ما تم ذكر اسم ظفار منفصلاً عن عُمان في إشارة مضنية أن ظفار كيان منفصل عن بقية أرض عُمان وذلك في عدة مواقع، مثلاً عند ذكر الحاضرين في إحدى المؤتمرات لأعضاء الحركات الثورية يقول ”حضر اليساريون لا سيما مندوبو البحرين وعُمان وظفار“. ويقول الكاتب مشيراً إلى القرارات التي بموجبها تم تغيير اسم الجبهة من جبهة تحرير ظفار إلى الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل ”اللافت أن هذا الاسم الجديد يضم عُمان لكنه لا يشير إليها تحديداً، كان الظفاريون ما يزالون متحسسين من الهيمنة العُمانية على أرضهم. وعلى الرغم من سعيهم إلى أن يكونوا جزءاً من بنية أوسع تشمل عُمان، إلا أنهم في تلك المرحة لم يكونوا مستعدين لحصر كفاحهم في الاتحاد بعُمان وحدها“، ومرة أخرى يتنقل الكاتب من أن ظفار كيان منفصل ثُم يدمجها في القُطر العُماني يقول الكاتب في سعي الثوار ”كان الثوار يهدفون إلى الاتحاد في الفضاء الثقافي العربي الأوسع، لا رسم الحدود والتأكيد على ثقافة وطنية ضيّقة تُسمى عُمانية“، وفي موضع آخر يشير الكاتب إلى محاولة الدولة إلى استملاك ظفار ”كان النظام يسعى من أجل التعمين، ما يفضي إلى استملاك ظفار في الفضاء العُماني“. ولكن ما لبث أن ختم كتابه بكلمة عبد العزيز القاضي، عضو اللجنة المركزية التنفيذية للجبهة التي ألقاها في 9 يونيو 1977 وذلك للذكرى الثانية عشر للثورة العُمانية ”إن نضالنا لا يتعلق أساساً بالتنيمة الاقتصادية فحسب، فنحن في الأساس مناضلون من أجل الحرية والاستقلال، نقاتل لحرية شعبنا العُماني“
ومرة أخرى يبين الكاتب بعض أسباب القيام بالثورة في ظفار وهي العمل والتعليم والفقر المدقع، فَاصِلاً بذلك الوضع في بقية أرض عُمان حيث تتشابه الظروف في كامل عُمان في تلك الفترة الزمنية. يقدم الكاتب تقريراً للأمم المتحدة أشار إلى ظفار بما يلي ”لم يكن هناك عمل في ظفار، لا مدارس، ولا مستشفيات، ولا حياة اقتصادية، ولا مساواة، ولا حق في المشاركة السياسية“ ويقول أن الظفاريين حرموا من أسس الحضارة ”فلم تُبنَ لهم المدارس، ولم تُنظّم لهم الحفلات الموسيقية، ولم تُقم لهم أية احتفالات عامة“ وهنا يشير الكاتب بان الفقر سبب من أسباب توجه الظفاريين إلى العمل في الخارج ”فقد حكم الفقر على شباب ظفار منذ الأربعينيات بالسفر بحثاً عن وظيفة خارج بلادهم“ ومرة أخرى يتناقض الطرح ويتباين التحيز ضد جانب ما حتى عند إنشاء بيت الطالب العُماني في منطقة الفروانية من قبل حركة القوميين العرب لاستقبال الطلاب من عُمان يذكر الكاتب أن البيت أُنشئ ”لاستقبال الطلاب من عُمان وظفار واليمن وذلك لاهتمام الحركة برفع المستوى التعليمي للظفاريين “. ومن خلال هذا الطرح يتضح جلياً تركيز الكاتب على وضع اسم ظفار منعزلاً عن بقية عُمان حتى وإن كانت الدلائل التاريخية بعكس ذلك، ففي عدة مواضع يحاول الكاتب تبين أن الظلم وقع فقط في ظفار وكأن بقية الأرض العُمانية في معزل من هذا الظلم في تلك الفترة الزمنية.
وقد قام الكاتب أيضاً بذكر عدة نقاط وتم التحيز لها من وجهة نظر أحادية، فمثلاً وصف الجنود البلوش والعمانيين من الشمال في القوات المسلحة بأنهم مرتزقة خاصة البلوش حيث يقول على لسان قائد سابق في القوات المسلحة ”هؤلاء الرجال مرتزقة تماماً“، وهُنا وبهذا الوصف ينزف الكاتب المشاركة التاريخية للبلوش في القوات العُمانية منذ فجر التاريخ وذلك خلال فترات الحكم المتعاقبة مروراً بفترة حكم اليعاربة وتحرير شرق أفريقيا من البرتغاليين وصولاً إلى دولة البوسعيد وسيطرة أساطيل السلطان سعيد بن سلطان على السواحل. ويشير الكاتب إلى أن ”توظيف الظفاريين يخضع لقيود شديدة“ وذلك لأن السلطان سعيد بن تيمور ”لم يكن يثق بالرجال الظفاريين الذين يعملون عنده “ وهذا وبالرجوع إلى فترة الحكم للسطان سعيد بن تيمور يجد الباحث أو القارئ أن هذه القيود وعدم الثقة عمت جميع أرجاء عُمان دون إستثناء.
ومما تطرق له الكاتب فترة حكم السلطان قابوس بن سعيد، حيث تباين الحكم والوصف بين الواقع الذي يراه كل عُماني سواء الذين عايشو فترة تولي السلطان للحكم أو اللاحقين لذلك و ما ذكره الكاتب في كتابه، فالكاتب قام بذكر أن السلطان قابوس رغم تفوقه في مجال الإنضباط العسكري والسلوكي وغيرها إلا أنه كان ضعيف في أداء الإمتحانات، ويذكر الكاتب أنه رغم السلوك المبهر للسلطان قابوس من حسن المعشر وتعاونه مع الجميع ومرحه وإنجازه للأعمال إلا أن هذا مقتصر فقط مع الأجانب حيث أن السلطان قابوس يشعر بعدم الطمأنينة عند التعامل مع أهل البلاد (العُمانيين) وذلك لأسباب عديدة أهمها أن أمُّهُ ظفارية يقول ” هكذا نشأ قابوس في خوف من عُمان ومن مواجهته المحتومة معها وأن قابوس يُعد أجنبياً في عُمان لأن أمه ظفارية ولأنه لم يزر عُمان قط “، وهذا تناقض تام للواقع العام للسطان قابوس من حيث ظهوره الدائم ومقابلاته العديدة وتواجده المستمر. ولقد وصف الكاتب السلطان قابوس على لسان العميد غريهم بأنه متعطش للدماء حيث يقول”يبدو السلطان متعجلاً للإجراء العسكري، ومتعطشاً للدماء على نحو واضح.“ وهُنا تناقض تام للسياسات المتبعة من قبل السلطان قابوس في تعامله مع الملفات المحلية أو الدولية، حيث تشير جميع التعاملات إلى التسامح والحلول السلمية وتقديم المشورة والعفو والصفح وغيرها من سمات السلطان قابوس. ومما تطرق له الكاتب أيضاً التدخل البريطاني المباشر في السياسات التي يتخذها السلطان قابوس مشيراً إلى ضعف شخصية السلطان وتبعيته العمياء للسياسة البريطانية، وهُنا تناقض آخر للواقع المشهود للسطان قابوس.
في الختام، الكتاب من ناحية مرجعيته العميقة في توضيح الثورة في ظفار خاصة وعُمان عامة والأسباب المؤدية لها والتدخلات الخارجية والدعم الداخلي والاختلاف في وجهات النظر والتغييرات التي أحدثتها الثورة على الصعيد الداخلي والخارجي، يعتبر مرجعاً مهماً لتوضيح تلك الفترة من التاريخ العُماني والصراع الداخلي والتدخلات الخارجية. ولكن يتضح أنه بالرغم من جميع تلك الحقائق والأحداث التاريخية إلا أن توظيفها بتقليل المكانة السلطانية وتبعية ظفار وفصل معاناتها عن بقية أرض عُمان أمر واضح وجليّ للقارئ خاصة ممن لديه الدراية التاريخية بالتاريخ العُماني من منتصف القرن التاسع عشر إلى النصف الثاني من القرن العشرين.
مقال ذو أبعاد تناول الكاتب كتاب جريء و حلله بطريقة مميزة عمق كبير لثقافة كاتب المقال.
إعجابLiked by 1 person
لازلت في بداية قراءتي للكتاب. ولكن اظن بان الكاتب قام بالتركيز على ظفار ولم يتطرق بان هذه المعاناة هي معاناة جميع العمانيين كان بسبب ان الافكار المتبناة للثورة في الشمال (الامامة) مختلفة عن الافكار التي تقوم عليها ثورة الجنوب. لذلك وجب التفريق في كل شي
إعجابLiked by 1 person
أولاً شكراً على مرورك وعلى التعليق، ولكن القارئ للتاريخ العُماني وخاصة الثورات في القرن الماضي يعلم بأنها مرتبطه بالعموم ولو كانت هناك بعض الخصوصية لكل واحده.
إعجابإعجاب