جلستُ مع أختي أم شهد.
لم أكن أبحث عن تفاصيل بقدر ما كنت أبحث عن فهمٍ، عن طمأنينةٍ متأخرة، عن صورةٍ تُكمل ما غاب عنّي في تلك الساعات.
نظرت إليّ… وعرفتُ قبل أن تتكلم أنّ الحكاية ثقيلة.
تنفّست بعمقٍ وقالت:
“أحكيلك كل شي يا عبدالله… عشان تعرف كيف كانت آخر ساعاته.”
❊ ❊ ❊
بعد صلاة الجمعة، نُودِيَ أبي.
حضر… ليجد أغلى أبنائه في حالٍ مختلفة.
اقترب منه، وكأنّ مشهداً قديماً يُعاد… مشهدٌ كان نبهان قد كتبه في روايته “ظلّ يسقط من مرآة” إذ قال:
“لكنّه عانقني… ودّعني هامساً… ربّت على كتفي… مسح على رأسي… رمقني بنظرةٍ منكسرة… ثم ذهب دون أن يتركني أقول له وداعاً.”
وكأنّ الكلمات لم تكن أدباً… بل نبوءة ألم.
يعيد المشهد نفسه. كأنّه حلمٌ يتحقق بألمٍ كبير. ليس حلماً، بل كابوسٌ سوف ينغرس ويتشبّث بذاكرتنا، ويعشّش بحزنه على قلوبنا.
❊ ❊ ❊
يخرج أبي إلى الصالة وهو في حالةٍ مزيجٍ بين الصبر والإيمان بالله، وبين حزنٍ وخوف.
❊ ❊ ❊
وصلت سيارة الإسعاف.
وكعادته… حتى في أصعب لحظاته، لم يُرِد أن يراه أحدٌ منكسراً.
قال:
“خذوا أبوي وأمي من الصالة… ما أريد أحد يشوفني كذا.”
دخل الفريق الطبّي، أجرى ما يلزم، ثمّ نُقل إلى سيارة الإسعاف.
❊ ❊ ❊
وقف أبي عند النافذة… ينظر إليه وهو يُحمَل بعيداً، وقال:
“في حفظ الله… استودعتك الله يا ولدي.”
تتعمّق فتراه قويّاً صابراً، وفي ذات الوقت منكسراً. تعتقد أنّه سيتّكئ على الجدار أو سيخرّ على الأرض، لكنّه كان مختلفاً. فهو من يردد لأبنائه قائلاً:
“يا عيالي، أخوكم يحتاج دعاء… وأقدار الله ماضية.”
❊ ❊ ❊
سكتت أم شهد… وسكتُّ أنا.
لم يعد هناك ما يُقال.
بين الأدب والواقع…
كتب نبهان وداعه قبل أن نعيشه.
ورحل… كما عاش…
قويّاً، عفيف الألم، لا يُري انكساره لأحد.
رحمك الله يا نبهان…
وجعل ما أصابك رفعةً لك في أعلى الجنّات.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون