
الميلاد والنشأة
وُلد نبهان الحنشي في ١٤ نوفمبر ١٩٨٠م في ولاية جعلان بني بو حسن بسلطنة عُمان، تلك الولاية التي تحمل في ترابها تاريخاً عريقاً وذاكرةً حيّة. نشأ في بيئةٍ أورثته حبّ اللغة والانتماء إلى مكانه، وهو الانتماء الذي لم يفارقه حتى في أبعد سنوات غربته.
الشغف الأدبي المبكّر
منذ سنواته الأولى، بدت ملامح شغفه باللغة وخاصةً الشعر الذي أحبّه أكثر من أي شيء آخر، إلى جانب موهبته اللافتة وجرأته في التعبير. وخلال سنوات دراسته الجامعية، انخرط في الأنشطة الأدبية، وكان من العناصر النشطة في “جماعة العقاد للقصة القصيرة”. واظب على قراءة الشعر خاصةً للمتنبي ومحمود درويش، وأصبح قارئاً نَهِماً يجد في الأدب مساحةً للتوازن أمام قسوة التجربة الإنسانية.
العمل الحقوقي والنضال المدني
لم يكن اهتمام نبهان الحنشي بالشأن العام وليد لحظة الربيع العربي، بل كان جذراً متأصّلاً فيه منذ سنواته الأولى. ففي عام ٢٠٠٨، كان يخوض نقاشات فكرية جادّة مع نخبة من المثقفين العُمانيين حول قضايا التعليم والإصلاح، ومن أبرز ما شغله في تلك المرحلة الأثرُ السلبي الذي قد يُخلّفه التعليم الخاص على جودة مخرجات التعليم العام، وهو هاجسٌ يعكس نظرته الاجتماعية العميقة وانحيازه الدائم للمصلحة العامة.
حين اندلع الحراك الشعبي العُماني عام ٢٠١١، كان نبهان في طليعة من تحرّكوا. وكان من مؤسّسي ومنفّذي المسيرة الخضراء الثانية، حيث أدّى دوراً بارزاً في إنجاحها وفي صياغة الرسالة الموجّهة إلى المقام السامي السلطان قابوس بن سعيد — طيّب الله ثراه — باسم شباب عُمان، وقد تضمّنت جملةً من المقترحات الإصلاحية التي عكست صوت جيلٍ يحلم بوطنٍ أرحب.
الغربة والمهجر والشتات
في الحادي عشر من ديسمبر ٢٠١٢، قرّر نبهان الخروج من عُمان متوجّهاً إلى بيروت. وفي بيروت، أسّس منظمة حقوقية مستقلة غير ربحية هي المركز العُماني لحقوق الإنسان والديمقراطية. بدأ المركز العمل في عام ٢٠١٣، وتم تسجيله رسمياً في المملكة المتحدة عام ٢٠١٧، وقام بكلّ حرصٍ وصدق وموضوعية على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في عُمان.
منذ وصوله إلى بريطانيا، تولّى أيضاً إدارة منظمة القسط لحقوق الإنسان، حيث أسهم في تطويرها وتعزيز عملها المؤسسي. وامتدّ أثره إلى الساحتين الحقوقية والثقافية العربية، وبرز في بريطانيا في مواجهة اليمين المتطرف، من خلال مشاركته في الفعاليات الداعمة لحقوق المهاجرين والمسلمين. وكانت القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني حاضرَين دائماً في نضاله، إذ شارك بفاعلية في حملات مناصرة الشعب الفلسطيني على الصعيد الدولي.
المؤلفات الأدبية
لم يكن الأدب عند نبهان منفصلاً عن العمل الحقوقي، بل كان لغةً أخرى لطرح الأسئلة ذاتها عن الإنسان والسلطة والحرية. بدأ مسيرته الأدبية بالقصة القصيرة، فأصدر مجموعته الأولى “وما بكى” (٢٠٠٦م)، تلتها مجموعته الثانية “ظلٌّ يسقط من مرآة” (٢٠٠٩م)، قبل أن يتحوّل إلى الرواية فأصدر “امرأة تضحك في غير أوانها” (٢٠١٤م)، ثم “ضوء خافت لذاكرة مهتزة” (٢٠١٦م)، وأخيراً “جميلات جعلان” (٢٠١٩م). كما صدرت روايته “امرأة تضحك في غير أوانها” مترجمةً إلى الإنجليزية بعنوان A Woman Laughs Inappropriately (٢٠٢١م). كما أسهم بمقالات ودراسات حقوقية وسياسية نشرتها منابر عربية بارزة، وأدار مدوّنته الشخصية “فضاءات” التي جمعت بين الأدب والحقوق والسياسة.
الشخصية والصفات — في شهادات من عرفوه
يصفه من خالطوه بأنه “صادق” في اهتمامه بالشأن العام وفي علاقاته بالناس وفي حبّه لوطنه. كان هادئاً أكثر مما ينبغي، متزناً حتى في لحظات التوتر، مرحاً يزرع الابتسامة حتى في أشدّ اللحظات قسوة. لم يكن ممّن يرفعون أصواتهم أو يبحثون عن دور أمام الآخرين، بل كان حاضراً بطريقته، تشعر به دون أن يفرض نفسه.
قال عنه الصحفي العُماني المختار الهنائي، أحد أقرب أصدقائه، إنه كان “إنساناً قريباً حتى وهو بعيد، تجلس معه فتشعر أنك تعرفه منذ زمن طويل لأنه على طبيعته تماماً”، مضيفاً أنه “لم تبدّله الغربة، ولا بدّله المرض، وبقي بنفس الروح والبساطة والهدوء حتى في أيامه الأخيرة.”
وقال خالد إبراهيم، المدير التنفيذي لمركز الخليج لحقوق الإنسان: “برحيل نبهان، نفتقد إنساناً شجاعاً وواعياً ومثقفاً امتلك مبادئ إنسانية لم يحِدْ عنها أبداً. كان زميلاً عزيزاً، طيّب القلب إلى أبعد الحدود، وقد ترك فراغاً لن يملأه أحد، وسيظل في ذاكرتنا إلى الأبد.”
أما الناشط الحقوقي السعودي يحيى عسيري فوصفه بأنه كان يعمل “من أجل أمته وأبناء شعبه ووطنه” بدوافع “حقوقية صِرفة تقوم على نصرة المظلوم والوقوف ضد الانتهاكات، دون أحقاد أو دوافع شخصية أو بحث عن شهرة.”
العودة والرحيل
في ديسمبر ٢٠٢٥، قرّر نبهان العودة إلى أسرته في جعلان بعد أربعة عشر عاماً من الغربة. وفي هذا المعنى، لا تبدو عودته الأخيرة إلى تراب بلده مجرد خاتمة شخصية، بقدر ما تبدو لحظةً اتسعت فيها فكرة الوطن التي ظلّ نبهان يربطها بالإنسان وكرامته. وفي ١٨ أبريل ٢٠٢٦، وافته المنية بعد صراعٍ طويل مع مرض السرطان، عن عمر ٤٥ عاماً، تاركاً وراءه كلماتٍ لا تُنسى وقضيةً لا تنتهي. رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جنّاته.