راعي الهرتوب العنابي

نبهان الحنشي
١٤ أبريل ٢٠٢٢

لم أكن قد تجاوزت الثامنة أو التاسعة حينما باغتني ألم مفاجئ في المعدة لم استطع معه حتى الوقوف على قدمي. كان يومها أبي في إحدى رحلاته التجارية إلى دبي، سعت بي أمي إلى المستشفى الذي كان يبعد مشيا عنا قرابة النصف ساعة. لكني كنت كل مع كل دقيقة أو دقيقتين استوقف أمي متقرفصا من شدة الألم، حتى لمحنا أحد أصدقاء والدي، كنت أدعوه وأنا طفلا ب راعي التنكر، حيث كان قد تعود تعبئة خزان منزلنا بمياه الشرب الصالحة. نادي باسمي بعد أن تبين ملامحي، ثم عرض على أمي توصيلنا للمستشفى.

في المستشفى لم يأخذ الأمر إلا دقائق ليقرروا بعدها تحويلي إلى مستشفى الولاية المجاورة، جعلان بني بو علي. وذلك لاشتباههم بأعراض الزائدة الدودية، وعليه أحتاج لتدخل جراحي عاجل، وهو ما لا تستطيع المستشفى توفيره. وفي مستشفى البو علي، تعذرت المستشفى لعدم تواجد الدكتور المتخصص، وعدم وجود سيارة إسعاف لنقلي إلى مستشفى صور! كان يوم خميس، نهاية الأسبوع حيث كانت الاجازة يوما واحدا فقط، الجمعة. وهو وقت قدوم راعي الهرتوب العنابي، حينها كان يملك هيونداي جديدة ولم يُعرف بعد براعي الهرتوب العنابي. ما أن وصل إلى منزلنا في البوحسن حتى أخبروه بأن أمي أخذتني إلى المستشفى. وفي المستشفى، أخبره أحد جيراننا، وهو من كان قد قاد بنا سيارة الإسعاف إلى البوعلي، أنني نقلت هناك.
ولحظة قدومه، كانت أمي وممرضو مستشفى البوعلي يتشاركون حيرة كيفية نقلي إلى صور، أمي يقتلها قلق وجعي المتزايد، وطاقم التمريض وربما إدارة المستشفى يخافون انفجار الزائدة الدودية في أية لحظة، فتقع على عاتقهم مسؤلية موتي!
ولكن، وصول راعي الهرتوب العنابي، طمأن من حدة قلق أمي قليلا، وأزاح عن إدارة المستشفى هم المسؤلية.
انطلق بي وبأمي مباشرة إلى صور، كانت الهيونداي بلائحة خضراء، أول ركوبي فيها وأنا مسجى على المقعد الخلفي متوسدا فخذ أمي التي لم تتوقف عن المسح على رأسي كي أنسى ألمي قليلا وأنام. ولم يكن ليزيد سرعته عن ٨٠ كلم في الساعة، لأن السيارة جديدة حينها.
وفي مستشفى صور، هرع إليّ طبيب مصري، أخذ يضغط تارة بأصابعه وتارة بيده على مواضع متفرقة من بطني، ومع كل ضغطة كان يسأل: أتحس بألم؟
بعدها طلب إجراء الأشعة فورا، كنت أسمعه يقول لراعي الهرتوب العنابي مطمئنا، الذي أصبح ولغياب والدي حينها هو ولي أمري، أنها ليست أعراض الزائدة، ولكنه ينتظر نتيجة الأشعة حتى يتبين الأمر أكثر. وكان الأمر فعلا ما توقعه الطبيب المصري الذي جنبني وانا صاحب ال٨ أعوام تدخل جراحي كنت في غنى عنه. واقتصر الأمر على غسيل معدة ربما !لا أدري.ولكني أتذكر إدخال أنابيب من أنفي وسحب سائل ما أعتقد أنه كان أخضر اللون، من معدتي.

بعد الهايونداي تلك، ابتاع الهرتوب، أو الهاردتوب، نيسان سيدرك. بلونها العنابي المميز، فأصبح فجأة معروف في حارتنا وبعض الحارات المجاورة براعي الهرتوب العنابي.
استعيد هذا المشهد البعيد من العمر، وأنا وعلى حين صدمة، استقبل خبر وفاته! كأن الأمر ما كان يجب له أن يكون معدا أبدا، فلحظة وقع عيني على الخبر أحسست بطعم خيانة ما، خيانة أعدها وطبخها القدر على مهل.


نشر في حساب نبهان الحنشي على الفيسبوك

أضف تعليق